ابن عربي

567

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

ميراث محمد عليه السلام ، ولذلك كان في ألواحه تفصيل كل شيء علم في مقابلة جوامع الكلم . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 165 ] رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ( 165 ) اعلم يا ولي أن اللّه ما بعث الرسل سدى ، ولو استقلت العقول بأمور سعادتها ما احتاجت إلى الرسل ، وكان وجود الرسل عبثا . ولكن لما كان من استندنا إليه لا يشبهنا ولا نشبهه ولو أشبهنا عينا ما كان استنادنا إليه بأولى من استناده إلينا ، فعلمنا قطعا علما لا يدخله شبهة في هذا المقام ، أنه ليس مثلنا ، ولا تجمعنا حقيقة واحدة . فبالضرورة يجهل الإنسان مآله وإلى أين ينتقل وما سبب سعادته إن سعد أو شقاوته إن شقي عند هذا الذي استند إليه ، لأنه يجهل علم اللّه فيه ، لا يعرف ما يريد به ، ولا لما ذا خلقه تعالى ، فافتقر بالضرورة إلى التعريف الإلهي بذلك ، فلو شاء تعالى عرّف كل شخص بأسباب سعادته ، وأبان له عن الطريق التي ينبغي له أن يسلك عليها ، ولكن ما شاء إلا أن يبعث في كل أمة رسولا من جنسها لا من غيرها ، قدمه عليها وأمرها باتباعه والدخول في طاعته ابتلاء منه لها لإقامة الحجة عليها لما سبق في علمه فيها ؛ ثمّ أيده بالبينة والآية على صدقه في رسالته التي جاء بها ليقوم له الحجة عليها . فأول ابتلاء ابتلى اللّه به خلقه بعث الرسل إليهم منهم لا من غيرهم ، فإن الرسل حجبة ، وحجبة الملك حجابه ليرى به بمن تتعلق أبصار الرعية ، هل بالحجبة أو تعديها بطلب رؤية الملك ؟ فالحجبة ابتلاء من اللّه ، والرسل يدعون إلى اللّه لا إلى أنفسهم . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 166 ] لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ( 166 ) الإنزال عمل أوجده العلم ، فإن اللّه بكل شيء عليم فيعمل بما علم أنه يكون كونه ، وما علم أنه لا يكون لم يكونه فكان عمله بعلمه . والملائكة يشهدون وكفى باللّه شهيدا .